ابن سبعين
69
رسائل ابن سبعين
ويعللها بالأحوال ويقيدها بالتصريف ، ثم يجمع المتقدم والمتأخر في كسبه وفي كل شأنه ، ويتصف بالجميع ، ويخصها في محله ولا يهمله ، ويثبت الناسخ والمنسوخ في ماهية شأنه كله ، ثم يحذف مراتبها التي تعددت ويدير عليها دائرة نتيجة شأنه الآخر بمحرك شأنه الأول ، ويسكنها بظاهر كنهه ، ويجمعها بباطن كونه ، ويجعل على الكل وفي الكل ومن الكل الأول الآخر الظاهر الباطن ، وينظر إلى الأمر كله بعين التوحيد وكلمة السلب ويجدها قد اتحدت فيه وتوحدت من أجله فينسبها إليه ويديرها ثانية وثالثة ورابعة وخامسة وسادسة وسابعة عليه ، ويعتبر جملة داخل الذهن كما اعتبرها خارج الذهن ، وينسب بالاستعارة بعض الأشياء إلى بعض ، ويجعل قلبه التوبة وكبده المجاهدة ، ويده الصبر ، ورجله الأدب ، وعينه العلم ، وسمعه الخلق ، وشمه اللطايف ، ولسانه الأحوال ، ولذته المعرفة والرضى والمحبة ، وحياته الوتر ، وموته الشفع ، وبالعكس ، ونطقه الإسلام ، وعقله الإيمان ، وروحه الإحسان ، ثم يسمى الجميع فقرا وفقيرا وقيرا - و « قير » تأكيد للفقير كما تقدم وبالعكس كما لزم فافهم ! حكمة خامسة عشر : ويقال الفقر هو الحكمة التي ترسم أنها الفهم عن اللّه عزّ وجلّ ، وهو الحكمة التي سماها الشرع سنة ، وهو الحكمة التي تفيد معرفة الأشياء حسبما تعطيه وتقتضيه طبيعة البرهان ، وهو الحكمة التي يعرف بها ترغيب القرآن وترهيبه ، وجدله ، وقصصه ، ومثله ، ووعده ووعيده ، وأمره ونهيه وأحكامها كلها وكونها تنحل إلى الأسماء والصفات وفهم الحروف المتحابة ، وحروف أوائل السور مثل : كهيعص ، وسائرها ومقايسة بعض المتحابّة ببعض وتناسبها على وجه أكمل وأحكم وأنفع وألطف من الظاهر ومن جميع ما هم عليه بعض الناس ممن ينكر هذا الشأن العظيم ، فافهم ! وهذا الفقر الذي اختاره خير البشر . والمتصف به هو الغني الشاكر حقيقة فإنه غني بجوهره ، والغنى فيه ماهية ذاته إذ هو فعال بجوهره وعليه يجب الشكر الكثير الممتد إلى غير نهاية ؛ لأنه باق فيه ، فافهم ! وأعط المعنى المعقول مع شرف ذاته في الدارين وسلامته ومناجاته وغيره من الأغنياء بضد ذلك ، وإن كان يشبهه هذا في بعض شأنه فعنده من هذا الفقير بما يشبهه وإلا فلا سبيل إلى شيء من ذلك ، فافهم . والفقير الصابر المعروف عند العامة : هذا الفقير الغني خير منه على الوجه الذي ذكرناه ، وهو خير من الغني من حيث العرف والعادة والجمهورية . وبالجملة : الفقر من جميع الوجوه هو المطلوب الشريف وحده ، وكل مطلوب شريف وحده لا شيء أفضل منه . فالفقر من جميع الجهات لا شيء أفضل منه .